الأمين العام القادم لمنظمة الأمم
المتحدة
فى ترجمة عن مجلة "تايم"
الأمريكية نشرتها صحيفة الأحرار المصرية
فى 30/10/1995م بعنوان"الأمم المتحدة على فراش الموت ..لا أعرف... لا أعرف، هكذا تحدث
(بطرس) ليلة عشاء المنظمة الأخيـر" جاء فيها رد د. بطرس بطرس
غالى أول أمين عام مصرى وعربى للمنظمة العالمية (1992-1996م) على
سؤال ما هو بالضبط تعريفك لوظيفة الأمين
العام للأمم المتحدة؟
حيث قال بأن الأمين العام يلعب
دورًا ذو طبيعة ثلاثية، فعلى الصعيد الأول يكون الأمين العام مسئولًا عن الإشراف الإدارى للمنظمة وهى مهمة شديدة
التعقيد، فاختيار موظفى الأمم المتحدة قائم على أسس جغرافية، كما أن
هناك مشكلة أصعب وهى"التمويل" وأنا بأمانة ألعب فى هذا المضمار (دور الشحاذ الأكبـر) ربما
كان هذا مضحكًا لكنه أمر مهين....نحن الآن فى الأمم المتحدة مفلسون وهذا دون
مواربة.
أما الدور
الثانى للأمين العام فيتعلق بتنفيذ العمل المنوط به من قبل الجمعية العامة ومجلس
الأمن، والدور الثالث للأمين العام - وهو الدور الأهم- هو ما أسميه بالدبلوماسية
الهادئة وهو دور يختلف عن الدبلوماسية المفتوحة، ويعتمد فى الأساس على إستخدام
الصورة الأخلاقية للأمين العام للحصول على حلول معينة لبعض المشاكل من بعض الدول
الأعضاء وفى حالة نجاحك فى هذا الدور تختفى من على الصورة ولا يظهر لك أى فضل، أما
فى حالة الفشل فإن الإتهامات سرعان ما تنهال عليك أنك السبب فى هذا الفشل.
أتذكر هذه الرؤية للـ د. بطرس بطرس غالى فى وقت تتزايد فيه التكهنات
بشأن هوية الأمين العام القادم
للمنظمة حيث أن المقرر أن يغادر أنطونيو جوتيريش الأمين العام الحالى منصبه فى الأول من
يناير 2027م بعد توليه قيادة المنظمة الدولية العالمية منذ عام 2017م مما فتح الباب أمام سباق بين عدد من الشخصيات
الدولية الساعية إلى قيادة المنظمة خلال المرحلة القادمة، فتعال عزيزى القارىء نواصل للمسألة بقدر من التفصيل من خلال التعامل مع عدة تساءلات عن : ماذا يقول ميثاق الأمم المتحدة
عن منصب الأمين العام للمنظمة؟ وما هى السمات الشخصية الواجب توافراها فى شخص
الأمين العام؟ ثم ماذا عن الأمناء العموميين السابقين على جوتيريش؟
وأخيرًا من هو (هى) الأمين العام القادم
للمنظمة بدءًا من يناير 2027م؟
*يعين الأمين العام من قبل الجمعية العامة بناء على توصية من مجلس
الأمن. ويؤدي امتلاك الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن لحق النقض (الڤيتو)
إلى منحها تأثيرا حاسما في اختياره حيث لا يمكن تمرير أي مرشح دون توافق هذه الدول.
وتشمل: الولايات المتحدة الأمريكية، وروسيا والصين، وفرنسا، والمملكة المتحدة. (م97 من الميثاق)
ورغم أن النص يبدو قانونيًا وإجرائيا في ظاهره، فإن
التطبيق العملي يكشف عن حضور واضح للاعتبارات السياسية. ولهذا السبب، فإن اختيار
الأمين العام غالبا لا يعتمد فقط على الكفاءة والخبرة، بل يتطلب أيضا قبولًا سياسيًا
من الدول دائمة العضوية فى مجلس الأمن.
وخمس سنوات هي مدة الولاية قابلة
للتجديد مرة واحدة فقط، وتهدف هذه المدة إلى تحقيق نوع من الاستقرار الإداري دون
تحويل المنصب إلى موقع دائم يخضع للاعتبارات الشخصية أو السياسية طويلة الأمد، ويلاحظ
أن مسألة التجديد غالبًا ما ترتبط بالمناخ السياسي الدولي ومدى رضا القوى المؤثرة
عن أداء الأمين العام، وهو ما يوضح مرة أخرى أن الجانب السياسي حاضر بقوة حتى في
المسائل التنظيمية والإدارية.
وإلى جانب المادة (98) والتي تنص على
أن الأمين العام يعمل بوصفه "كبير الموظفين الإداريين" في المنظمة، ويتولى
الإشراف الإداري والتنسيقي على أجهزة الأمم المتحدة المختلفة إضافة إلى إعداد
التقارير السنوية وتنفيذ المهام التي تكلفه بها الأجهزة الرئيسية، تمنحه المادة (99)
أداة سياسية قوية، إذ تخوله الحق في تنبيه مجلس الأمن إلى أي مسألة يرى أنها قد
تهدد حفظ السلم والأمن الدوليين، مما يفتح الباب أمام المبادرات الدبلوماسية
المستقلة. وقد استخدم عدد من الأمناء العامين هذه الصلاحية لتعزيز الدبلوماسية
الوقائية، ومن أبرزهم داغ همرشولد الذي لعب دورا بارزا خلال أزمات الحرب الباردة،
وكوفي عنان الذي توسع في دور الأمم المتحدة في عمليات حفظ السلام والإصلاح المؤسسي.
وتفرض المادة (100) استقلالية تامة
للأمين العام؛ فلا يجوز له تلقي تعليمات من أي حكومة، وتتعهد الدول باحترام حياده.
وتكمن أهمية هذه المادة في أنها تحاول الفصل بين الانتماء الوطني للموظف الدولي
وبين التزامه بالمصلحة الجماعية للمجتمع الدولي، فالأمين العام، رغم كونه يحمل
جنسية دولة معينة، يفترض أن يتصرف بإعتباره ممثلًا للمجتمع الدولى ككل لا لمصالح
دولته الأصلية.
وتشترط المادة (101) أن يتم اختيار
العاملين بالمنظمة بناء على أعلى مستويات
المقدرة والكفاية والنزاهة، مع مراعاة التوزيع الجغرافي العادل، ويهدف ذلك إلى
ضمان التنوع داخل الجهاز الإداري للأمم المتحدة وتعزيز شعور الدول المختلفة
بتمثيلها داخل المنظمة.
ويقترح الأمين العام الميزانية للمنظمة.
**إذن منصب الأمين العام يجمع بين الطبيعة الإدارية والطابع السياسي في آن واحد فالميثاق منحه صلاحيات قانونية مهمة، لكنه
في المقابل وضعه داخل شبكة معقدة من التوازنات الدولية، ولذلك، فإن نجاح الأمين
العام لا يعتمد فقط على النصوص القانونية بل يرتبط أيضًا بقدرته على إدارة التوازن بين الاستقلال
المؤسسي والواقع السياسي الدولي المتغير،إنها وظيفة حساسة ونوعية، ولذلك تدعو
الوثائق والأدبيات إلى أن يتوافر فى شخص الأمين العام خصائص ومهارات معينة تمكنه من أداء الدر المنوط
به بأعلى درجة من الكفاءة والفعالية،
ويمكن إجمالى هذه الخصائص والمهارات فى
الآتى:
§
المعرفة الدقيقة والمتجددة بتفاصيل وسمات القضايا الكبرى المهددة لأمن
كوكبنا
§
إحاطة وفهم عميق
بالمصالح المتناقضة للأطراف
المتصارعة
§
الاستناد باستمرار على روح الميثاق
§
الثقة بالنفس والقدرة على الإسهام الإيجابى فى حل
المشكلات الدولية.
وأخيرًا ضرورة إحساسه بأنه مواطن عالمى حيث المشكلات
العالمية هى بالضرورة مشكلاته والميثاق هو مرجعه وإيديولوجيته والضمير هو مبدأ.
***تعاقب على منصب أمين عام منظمة الأمم المتحدة تسعة أمناء دائمين
وقبلهم قائد إدارى تأسيس مؤقت.
أما هذا القائد فهو "السير" جلادوين جيب(1945-1946م)،
وهو دبلوماسى بريطانى بارز لعب دورًا حاسمًا بصفته القائم بأعمال الأمين من أكتوبر 1945 إلى فبراير1946م، ورغم انه ينتمى إل دولة دائمة العضوية كان قائدًا فعليًا حول الميثاق النظرى إلى واقع ملموس من خلال بناء
الهياكل الأولى للأمانة العامة.
...تولى بعده النرويجى (تريغفي هالفدان لي)(1946-1952)وأصبح
أول أمين عام رسمى للمنظمة وقد أدار أعمالها فى فترة شديدة الحساسية أعقبت نهاية
الحرب العالمية الثانية وبداية التوترات المرتبطة بالحرب الباردة. قبل توليه منصب
الأمين العام كان وزيرًا لخارجية دولته.
.... ويجىء ( داج همرشولد)(1953-1960م) والذى يعد أكثر
الأمناء تأثيرا فى تاريخ الأمم المتحدة، لديه خلفية دبلوماسية وإقتصادية فى السويد
حيث عمل بوزارة الخارجية والبنك
المركزى وعُرف عنه أسلوبه الهادىء وقدرته
العالية على التفاوض وإدارة الأزمات
الدولية وقد حصل إسمه على جائزة نوبل للسلام حيث أنه قد توفى فى
حادث طائرة عام 1961م أثناء مهمة سلام فى
الكونغو، وثار جدل كبير آنذاك بشأن احتمال استداف الطائرة لكن التحقيقات لم تسفر
عن نتيجة حاسمة.
وينتقل المنصب
بعد ذلك ليكون فى يد آسيويه حيث تولاه ( يو ثانت)(1961-1971م)، وهو
دبلوماسى وسياسى، وقد عمل مندوبًا لبلاده
( بورما والتى هى الآن ميانمار) فى الأمم المتحدة
وكان لديه ميل واضح للدبلوماسية الوقائية والتسوية السلمية
للمنازعات خاصة خلال أزمة الصواريخ وحرب فيتنام.
الأمين العام الرابع لمنظمة الأمم
المتحدة هو النمساوى(كورت فالدهايم) (1972- 1981م) وقد عمل لعدة سنوات فى السلك الدبلوماسى لبلاده
وعرف عنه التحفظ مع شخصية بيروقراطية تميل إلى الحياد والحظر السياسى، وقد تولى بعد إنتهاء ولايته منصب مستشار النمسا.
ويجىء الدور على امريكا اللاتينية حين
تولى " خافيير بيريز دي كوييار"(1982- 1999م)
وهو أحد الدبلوماسيين المحترفين فى بلاده (برو)، وقد تميز بأسلوبه الهادىء واعتماده على التفاوض الدبلوماسى بعيدًا عن
المواجهات الإعلامية وهو أطول الأمناء عمرًا (1990-2020م) وكان عمره 61 عامًا حين
تولى الأمانة وبعد إنهاء ولايته تولى
رئاسة وزراء بيرو لفترة قصيرة.
ثم يتولى منصب الأمين العام للمنظمة
الدولية العالمية أكاديمى مصرى ودبلوماسى بارز شغل منصب وزير الدولة للشئون
الخارجية فى وطنه مصر، وجمع فى أداء عمله
بين الفكر الأكاديمى وبين الخبرة
الدبلوماسية، وهو ما أنعكس على أسلوبه فى
إدارة شئون المنظمة فى مرحلة شهدت تطورات
كبيرة فى النظام الدولى عقب نهاية الحرب
الباردة وتفكيك الاتحاد السوفيتى، وقد تولى د. بطرس بطرس غالى منصب الأمين العام
لفترة واحدة ( 1992- 1996م) حيث استخدمت الولايات المتحدة حق الڤيتو لمنع تجديد ولايته لفترة ثانية . وكان هذا بمثابة عقوبة على موقفه
التى عدت استقلالية أكثر من اللازم وقد
تولى بعد ذلك منصب الأمين العام للفرانكوفونية.
ويختلف (كوفى عنان) أمين عام الأمم المتحدة
(1997-2006م) عن من سبقوه فى أنه أول أمين عام من داخل الجهاز الإدارى للمنظمة
مباشرة، وهو من غانا وسبق له العمل فى
مجالات الإدارة وعمليات حفظ السلام والشؤون الإنسانية مما منحه خبرة واسعة بطبيعة عمل المنظمة والتحديات التى تواجهها.
وقد حصل كوفىى عنان والأمم المتحدة
(معًا) على جائزة نوبل للسلام تقديًرا لجهودهما فى دعم السلام وحقوق الانسان
وتعزيز التعاون الدولى.
الأمين العام الثامن لمنظمة الأمم المتحدة هو الكورى
الجنوبى( بان كى مو)(2007-2016م)
وكان وزيرًا لخارجية بلاده وكانت فترة عمله فى ظل تصاعد الاهتمام
العالمى بقضايا التغير المناخى والتنمية
المستدامة والأزمات الانسانية الممتدة فى
الشرق الأوسط وأفريقيا.
ونختتم بالأمين
العام الحالى (أنطونيو جوتيريش) رئيس وزراء البرتغال سابقًا، وعرف عنه اهتمامه البالغ بقضايا اللاجئين والشؤون الانسانية بصفة عامة فضلًا عن قضايا البيئة
وإدارة الأزمات الحادة.
****خلال مؤتمر صحفى عقد فى ڤينا أعلن (رفاييل جروس)
المدير العام للوكالة الدولية للطاقة
الذرية عن رغبته فى تولى منصب الأمين
العام لمنظمة الأمم المتحدة. ورسم المسؤال الأرجنتينى ملامح رؤيته للمنصب بأنه
سيكون معنيًا بإيجاد الحلول للأزمات الدولية لا أن يؤدى دور "القاضى"
أو " البابا العلمانى" بحسب تعبيره أنه يفضل أمينًا عامًا يحل المشكلات
على أمين عام يكتفى بتوجيه الإتهامات.
وتضم قائمة المرشحين سبعة شخصيات ، أربع سيدات وثلاث
رجال ووفق ما يدور من تكهنات بشأن المشاورات السرية فى مجلس الأمن يتصدر السباق
حتى وقت إعداد المقال كل من (ريبيكا
جرينسبان) نائبة رئيس كوستاريكا السابقة و
(كارولين رودرجيس بوركيت) سفيرة جويانا لدى الأمم المتحدة .
وفى هذا الخصوص أتذكر حضورى لنشاط علمى ثقافى مهم وهو
محاضرة للسيد الدكتور (دانيلو تيرك) الرئيس السابق لجمهوريا سلوڤينيا (2007-2012)
وهو أحد الذين ترشحوا لمنصب الأمين العام وأختار مصر من بين
الدول التى زارها للترويج لبرنامجه حيث زار كلية الإقتصاد والعلوم السياسية( 10-3-2016م) وألقى محاضرة بعنوان " دور
الأمم المتحدة فى عالم متغير" عرض فيها
لأهم أفكار وخطوط برنامجه لو فاز بالمنصب مؤكدًا أن الأمم المتحدة هى
المنظمة الدولية العالمية الوحيدة (حصريًا) وأنها مستقرة وتطبق ميثاقها وانه سيعمل
على التوسع فى مجال منع الحروب- وتعزيز حقوق الانسان-وتقليل الفقر–وتمويل
التنمية وتكثيف المساعدات الإقتصادية والتوسع فى عمليات حفظ السلام فى العالم .
ونختتم مقالنا بالتساؤل الذى يطرح فى مثل هذه المناسبات : هل الأمين العام للأمم
المتحدة " خادم" أم " قائد للمنظمة"؟ والتساؤل الآخر المكمل
هل الأمين العام " أسير"؟ وهل يفضل أن يكون "آسيرا صامتًا".
قم بالتسجيل مجانًا وكن أول من يتم إعلامك بالمنشورات الجديدة.