التفاوض لحل الصراعات الدولية حالة الوﻻيات المتحدة وإيران

التفاوض لحل الصراعات الدولية

حالة الوﻻيات المتحدة وإيران

 

يعتبر الوصول إلى عالم يسوده السلام هو الهدف الأساسي لمنظمة اﻷمم المتحدة. وقد نصت الفقرة الثالثة من المادة الثانية من ميثاقها على أنه يجب على جميع الأعضاء أن تسوي منازعاتها الدولية بالوسائل السلمية وبطريقة لا تعرض السلم والأمن والعدل الدولي للخطر.

كما نصت الفقرة الرابعة من نفس المادة على أن يمتنع كل أعضاء الأمم المتحدة في علاقاتهم الدولية عن التهديد باستعمال القوة أو استخدامها ضد سلامة الأراضي أو الاستقلال السياسي لأي دولة أو على أي وجه آخر لا يتفق ومقاصد الأمم المتحدة.

وقد خصص الفصل السادس من الميثاق لتقنين قواعد وأساليب وطرق حل المنازعات حلًا سلميًا، وجاءت الفقرة الأولى من المادة الثالثة والثلاثين لتنص على أنه يجب على أطراف أي نزاع من شأن استمراره أن يعرض السلم والأمن الدولي للخطر، أن يلتمسوا حله بادئ ذي بدء بطريقة المفاوضة والتحقيق والوساطة والتوفيق والتحكيم والتسوية القضائية، أو أن يلجأوا إلى الوكالات والتنظيمات الإقليمية أو غيرها من الوسائل السلمية التي يقع عليها اختيارها.

كما تنص الفقرة الثانية من نفس المادة على أنه لمجلس الأمن – إذا رأى ضرورة لذلك – أن يدعو أطراف النزاع إلى أن يسوا ما بينهم من النزاع بتلك الطرق.

وهكذا تبدو الأهمية التي أعطاها ميثاق الأمم المتحدة للوسائل السلمية لتسوية المنازعات وعلى رأسها المفاوضات.

وإذا كانت الوظيفة الرئيسية للأمم المتحدة هي حفظ السلام وصنع السلام فإن المفاوضات تجيء كوسيلة مهمة من وسائل صنع السلام.

ولو عُدنا إلى أصل المسألة وهو "الصراع الدولي" لوجدناه مسألة شديدة التعقيد لتعدد أبعادها، وتداخل مسبباتها ومصادرها وتشابك تفاعلاتها وتأثيراتها المباشرة وغير المباشرة، ولتفاوت المستويات التي تضمها سواء من حيث المدى أو الكثافة أو العنف.

والصراع في جوهره هو تنازع الإرادات الوطنية وتصارعها وهو أمر ناتج عن الاختلاف في دوافع الدول وفي تصوراتها وأهدافها وفي مواردها وإمكاناتها وما شاكل ذلك، وهو على هذا النحو ملمح مادي من ملامح العلاقات الدولية.

وينبعث الصراع الدولي أساسًا من نزاع رئيس بشأن اﻹقليم أو الحدود أو الشرعية أو اﻻيديولوجية أو النفوذ أو مصادر الطاقة والمواد اﻻستراتيجية أو بعضًا من هذا أو غيره.

وحتى نهاية الحرب الباردة كانت النظريات في حقل العلاقات الدولية تنقسم إلى نوعين رئيسين في مجال دراسة وتحليل الصراعات الدولية أولًا نظريات إدارة الصراع Conflict Management وثانيًا نظريات حل الصراع Conflict Resolution والأن يطبق البعض نظرية تحويل الصراع Conflict Transformation.

ونحن معنيون في هذا المقال بالتحليل المتعلق بحل الصراع وبالتطبيق على الصراع الامريكى اﻹيراني باستخدام وسيلة التفاوض، وإذا كان ما يدور حتى الأن هو إدارة الصراع فلا بأس من التراوح بين المنهجين الإدارة والحل.

والتساؤل الذي يمكن أن يثار هو متى يصبح التفاوض أداة رئيسية للتسوية؟

الواقع أنه حين تواجه الدولة - ونحن نتحدث هنا عن إيران بالتحديد - بخطر أو تحدى لمصالحها الدولية، وهو أمر معتاد في العلاقات الدولية، فإنها تملك الخيار في مجال ثلاث نماذج محتمل للسلوك والعمل يعتمد على الظروف والملابسات وجدية التهديدات، فهي تحاول:

1- أن تلغى مصدر التحدي أو التهديد، وهو ما يمكن عمله باستخدام مشروع للقوه مثل الدفاع عن النفس أو باستخدام غير مشروع لها، هنا نجد إيران تسلك النهج اﻷول بينما إسرائيل تنحو -ودائمًا- نحو الثاني.

2- أو أن تقابل التهديد بالقوة المناسبة لمنعه من أن يتحول إلى حقيقة وذلك من خلال عملية توازن أو ما يطلق عليه سياسة "الردع"، وبذلك يمكن الاحتفاظ بالتحدي مسيطرًا عليه وتقليل فاعليته إلى أدنى حد ممكن وهذا ما يشغل إيران.

3. أو أن تحيد التهديد الموجه إليها عن طريق المساومة والتي يمكن تحقيقها من خلال عملية التفاوض، وهذا الخيار هو المعتمد حاليًا بين الوﻻيات المتحدة وايران، وتقوم فيه باكستان بدور "الوسيط".

والمفاوضات بصفة عامة أداة رئيسة من أدوات شتى تسعى إلى تسوية الصراعات الدولية، وهى عملية تهدف الاطراف المشاركة فيها إلى التوصل إلى اتفاق يمكن أن يوحد وينظم سلوكهم المستقبلي، وهى وظيفة رئيسية للدبلوماسية، وتصبح الرغبة في محاولة التوصل إلى اتفاق الملمح الجوهري ﻷية مفاوضات، حيث يقتنع الطرفان المتصارعان - الوﻻيات المتحدة وإيران هنا - بأن تكلفة اﻻستمرار في الحرب أصبحت عالية بما فيه الكفاية للتفكير في التفاوض وحل الصراع، وأن فاتورة المضي قدمًا في العمليات العسكرية الكبيرة أعلى بكثير مما يمكن خسارته ببعض التنازﻻت، وأن استمرار المواجهة المفتوحة بينهما تحمل تكلفه عسكريه واقتصاديه واستراتيجيه باهظه قد تتجاوز المكاسب المتوقعة من استمرار الصراع.

ومن هنا انتقلنا في حالة الصراع اﻷمريكي اﻹيرانى إلى المرحلة الخامسة التي تجرى ضمن تصور لمراحل ست يمر بها الصراع الدولي ونحن بصدد تجسيد واضح له، وهذه المراحل الست:

●         المرحلة اﻷولى وفيها النزاع والتضاد والتعارض في كافة المجاﻻت إﻻ المجال العسكري، الحصار اﻷمريكى اﻹيراني يمثل ذلك.

●         المرحلة الثانية ترتفع فيها أصوات المدافع وتدوي اﻻنفجارات حيث الصبغة أصبحت حربية وتبدأ العمليات، وهو ما حدث.

●         المرحلة الثالثة تشهد التكثيف في اﻻشتباكات، وتسمى كذلك مرحلة التصعيد، وفيها تتسع بنوك الاهداف، وهو ما شاهدناه فعلًا، حيث توسعت العمليات العسكرية جغرافيًا لتشمل اطرافًا جديدة لعل في مقدمتها دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، وسياسيًا إنخراط أطراف أخرى بطريقة مباشرة أو غير مباشرة. مثل الصين وروسيا واﻻتحاد اﻷوروبي واليابان وكوريا الجنوبية ناهيك عن العراق ومصر والأردن ولبنان والحوثي، وتوسع نطاق العمليات ليشمل أهدافًا مدنية، وبنى تحتية، ومنشآت اقتصادية، ومرافق حيوية، ومصادر للطاقة، بل وجامعات ومدارس.

●         المرحلة الرابعة ونصل فيها إلى توقف اﻻشتباكات والعمليات العسكرية الكبرى وان كان الصراع مازال قائمًا، نعم القتال توقف - بصفة عامة- لكنه قابل للاشتعال في أية لحظة، وﻻ يخلو اﻷمر من ضربة هنا وهجمة هناك، وهو ما عشناه في فترة الهدنة.

●         المرحلة الخامسة وعندها يستبعد الطرفان الخيار العسكري، ولو مؤقتًا، القتال توقف لكن المسائل الخاصة بالنزاع باقية دون حل أو تسوية، وينخرط الطرفان في مفاوضات، ولو غير مباشرة، عبر وسيط موثوق منهما (باكستان)  وتبدأ عملية المساومة وتقديم المقترحات والمقترحات المضادة وما إلى ذلك مما تتضمنه أدبيات المساومة والتفاوض  وهو اﻷمر الحادث فعلًا بين الوﻻيات المتحدة وإيران.

وقد تمخضت هذه المرحلة عن التوصل إلى "مذكرة تفاهم" كيفها البعض بأننا أمام تهدئة أو استراحة أو تجميد للعمليات العسكرية وليس اتفاقًا أو معاهدًة أو تسويًة، وهو ما يمكن أن يحدث في المرحلة التالية.

●         المرحلة السادسة حيث جوهر التسوية دائمًا هو نقل الصراع من مستوى القتال Fight إلى مستوى النقاش والجدل Debate، ومن عملية المواجهة Confrontation إلى عملية حل المشكلات Problem Solving، وهو ما يأمله الجميع فاستمرار الصراع اﻷمريكي اﻹيراني يضر بكل دول العالم حيث حالة مصفوفة المساومه هنا هي خسارة-خسارة إذا استمر هذا الصراع، بينما الحالة المثالية في هذه المصفوفة هي مكسب-مكسب، وقد تحدد في مذكرة التفاهم تلك ستون يومًا للمفاوضات للتوصل إلى اتفاق سلام شامل ودائم.

ونختم باﻹشارة إلى أن دراسة وعرض عملية التفاوض الدولي تضمن اﻷساليب واﻻستراتيجيات والمراحل والمؤثرات، والمزايا اﻻستراتيجية، وشروط  وقواعد اﻻستفادة منها، وأنماط التفاوض وما يستدعيه من إجراءات خاصة بالبروتوكول الدبلوماسي  وما إلى ذلك، وهى مسائل فنية وتفصيلية ﻻ يتسع المقال هنا لها، ومن ثم كان التركيز على استخدام التفاوض الدولي الهادف لتسوية الصراع اﻷمريكي اﻹيراني، وهو ما يدعو إليه ميثاق اﻷمم المتحدة كما سبق وأسلفنا، ويتبقى أن نشير. إلى مقالنا المنشور بصحيفة اﻷهرام بتاريخ 29 مارس 2025م بعنوان "التسويات السياسية للصراعات الدولية -حالة أوكرانيا-".

 

أ.د. عطية حسين أفندى

أستاذ الإدارة العامة

‏   كلية الاقتصاد والعلوم السياسية- جامعة القاهرة

 

أ.د عطية حسين أفندي

خبير في الإدارة والسياسة، باحث، مؤلف، رائد في علم الإدارة، ساهم في تطويره ونشر الوعي بأهميته.

تصنيفات
اشترك في نشرتنا الإخبارية

قم بالتسجيل مجانًا وكن أول من يتم إعلامك بالمنشورات الجديدة.