خلقيات الوظيفة العامة

خلقيات الوظيفة العامة

 

بمراجعة العديد من إسهامات الخبراء والأكاديميين المنشغلين بمسألة أخلاقيات الوظيفة العامة  يبين أن دراسات هذه الأخلاقيات تنطلق  صوب  المسئولية المجتمعية للمنظمات الإدارية،  فهى ليست مساءلة  فقط من قبل القانون بل هى كذلك أمام المواطنين والمجتمع فى المقام الأول.

وتثار هذه المسألة فى العمل الحكومى إنطلاقًا من حالة الاتساع فى الفرص المتاحة أمام الموظفين الحكوميين لاستعمال السلطات التقديرية فى صنع وتنفيذ وتقييم السياسات العامة، فضَلا عن الوقوف على معلومات سرية حيوية تمس الحقوق  الفردية، وفى ذات الوقت عدم مسئوليتهم أمام الناخبين.

وقد إزداد الإهتمام بموضوع دراسة السلوك الأخلاقى فى العمل العام خلال السنوات الماضية نظرا لإرتباط كفاءة وفعالية المنظمات العامة بسلوكيات وأخلاقيات العاملين بها،فعلى الرغم من امتياز الغالبية العظمى من الموظفين العاملين فى القطاعات المختلفة بالجوانب الإيجابية والصفات الحميدة، إلا أن هناك ازدياد فى الممارسات اللاخلاقية فى العمل مثل الرشوة والمحسوبية، واستغلال السلطة وما شاكل ذلك من أشكال حديثة للفساد والتى تعبر عن المشكلات التى تعوق التنمية المستدامة فى الدول الآخذة فى النمو.

ولنبدأ بأصل المسألة وهو الأخلاقيات والتى تعرف بصفة عامة بأنها مجموعة القيم والاعراف والتقاليد التى يتفق عليها أعضاء مجتمع ما حول ما هو خير وحق وعدل فى تنظيم أمورهم وفى إدارة شئون حياتهم.

وعند المفكرين والفلاسفة  الأخلاقيات عبارة عن هيئة راسخة ثابتة فى النفس تصدر عنها الأفعال بسهولة ويسر من غير حاجة إلى فكر وروية، والخلق منه ما هو حسن وما هو قبيح،  والاخلاق جمع خلق، والخلق بضم اللام وسكونها يطلق فى اللغة على  السجية والطبع وما يجرى عليه الأمر من عادة لازمة.

وتعنى الأخلاقيات أساسًا  بتقييم السلوك الإنسانى من حيث صواب أو خطأ الأفعال ودوافعها، هل هى طيبة أم شريرة والعواقب هل هى حميدة أم خبيثة، والقائمون على الأفعال هل يٌمدحون أم يذمون؟

وهى فى التحليل الأخير تمثل لدى البعض منطلقات فى التمييز بين ما هو جيد (الفضيلة) وما هو سىء (الرذيلة).

وللأخلاقيات منابع أو مصادر عديدة :المعتقدات الدينية،وتاريخ المجتمع، وخبراته وتقاليده، والثقافة الوطنية، والأسرة  والعائلة والقبيلة والعشيرة ، والنظراء والجماعات المرجعية، وقادة الرأى،  وخبرة العملية التعليمية، والتدريب،  والأدوات النموذجية.

فإذا ما انتقلنا إلى التطبيق بشأن الوظيفة  العامة نبدأ بتعريف هذه الوظيفة.

إن اهتمام الدول بالموظف العام يعد إهتمام قديما قدم الحكومات نفسها، فقد كانت هناك منذ الحكومات فى مصر الفرعونية والإمبراطورية الصينية وغيرها نصائح قدمها حكماء هذه البلاد فى تلك الازمنة تتعلق  بالصفات والأخلاقيات والسلوكيات ى التى يجب أن يتحلى بها الموظف العام بصفته ممثلا للحاكم، ولذلك  كانت الوظيفة العامة  أقرب إلى أن  تكون مهنة  لبعض أفراد  طبقة معينة يتوارثها الأبناء عن آبائهم، وكما  كان الحال  فى سائر أوجه النشاط الحرفى قديما حيث  كان الآباء يلقنون أبنائهم أسرار صنعتهم، كان أبناء الموظفين العموميين يتلقون عن آبائهم مهنة الكتابة  أو الحساب أو غيرها من مهن الوظيفة  العامة.

ولا يتوافر تعريف دولى للموظف العام ينطبق على كل هذه الاجهزة  البيروقراطية الحكومية  فى كل البلدان نظرًا لاختلاف  النظم من هذه البلدان من حيث التاريخ، التقاليد، النظم السياسية والاجتماعية وما إلى ذلك ففى المملكة المتحدة مثلا  الموظف العام هو (خادم التاج) من  غير شاغلى المناصب السياسية والقضائية، والذى يستخدم بصفته المدنية ويتقاضى  كل راتبه من  الأموال التى يعتمدها البرلمان ، أما فى فرنسا  فالموظف العام هو كل ما يشغل وظيفة دائمة  ضمن التنظيم الإدارى (الكادر)فى خدمة مرفق عام تديره الدولة أو أحد أشخاص القانون العام، وفى الولايات المتحدة  يقصد بالموظف العام كل فرد يعمل بالدولة على المستوى القومى أو مستوى الولاية  أو فى  الإدارة المحلية فى وظيفة  عامة دائمة.

ونصل إلى الفقه المصرى  الذى يعرف الموظف العام بأنه  كل شخص يعين فى خدمة مرفق عام  تديره الدولة  أو أحد أشخاص القانون  العام  ويكون تعيينه فى وظيفة دائمة  وبصفة دائمة ، وهى تعنى المساهمة  فى خدمة  مرفق عام تديره الدولة  أو أحد أشخاص القانون  العام ويصدر قرار  التعيين من أداة  نظامية من السلطة المختصه، وتنشأ العلاقة بينها وبين الموظف العام بحيث يصبح له مركز قانونى يعبر عن مجموعة من الحقوق والواجبات.

فى ضوء ما تقدم يمكن تعريف الموظف العام بأنه كل من  يعمل فى خدمة إحدى المنظمات العامة بصفة مستمرة ودائمة وفق  ما تمليه أحكام تأسيسها ولوائحها،  مستهدفًا  تحقيق صالح هذه المنظمة  وأهدافها، سعيًا نحو  تحقيق الرضاء العام للمواطنين.

فماذا عن اخلاقيات هذه الوظيفة العامة ؟

إبتداءًا تعرف فى أحد المعانى بأنها إلتزام الموظف العام التزامًا ذاتيًا بواجبات وظيفته كما حددها  القانون، وهى الإلتزام الذاتى بالمعايير الأخلاقية للتوفيق بين السلطة  والمسؤولية ، والقيام بواجبات الوظيفة العامة على الوجه الذى يشعر به الموظف العام براحة ضمير، وكذلك إيمانه بأخلاقيات  الخدمة العامة  والتزامه بها، وهما أمران يشكلان  أساسًا مهمًا  لكفاءة الأداء فى الإدارة العامة، وهذه الأخلاقيات فى التحليل الأخير  هى المنطلقات الثقافية التى تمثل فى مجموعها نظامًا سلوكيًا مقبولاً يساعد على تحقيق النتائج المرغوب  فيها بالنسبة لما يتم تحديده من أهداف للنظم الإدارية  وبشرط أن تكون منسجمين مع طبيعة تركيب الذات البشرية من ناحية والمتغيرات  الإجتماعية من الناحية الأخرى.

فى هذا السياق يناقش الخبراء والمتخصصون حقوق وواجبات الموظف  العام، ويميل أغلبهم إلى تقسيمها إلى التزامات  للموظفين العموميين  أى واجباتهم والأعمال المحظورة عليهم، وحقوق لهم وما يتمتعون به من  ضمانات.

أما عن الواجبات فهى بصفة عامة واجبات إيجابية مثل الإسترشاد بالمصلحة العامة، وتطبيق القوانين والأنظمة النافذة، والخضوع للسلطة الرئاسية، والتحمل الشخصى لمسؤولية الوظيفة، وتأدية أعمال الوظيفة بدقة واخلاص  والمحافظة على أوقات العمل الرسمى، وعلى المال العام، وأدب اللياقة وحسن التعامل مع المواطنين .

أما الواجبات السلبية فتتمثل  فى مجموعة من التصرفات على الموظف العام عدم إتيانها مثل : عدم إفشاء أسرار المنظمة، وعدم قبول الهدايا، وعدم الجمع بين الوظيفة العامة والأعمال المحظورة بالنص، وعدم تجاوز الحدود المرسومة فى ممارسة النشاطات العامة.

يقابل هذه الواجبات مجموعة من الحقوق والضمانات للموظف العام منها الراتب الشهرى، والمخصصات الأخرى التى يتقضاها مثل البدلات والتعويضات، والمساعدات، المنح، والمعاش التقاعدى، والفوائد العينية، والعلاوات، والترقيات  والإجازات بأنواعها، وأخيرًا  الحقوق والحريات العامة التى يقرها الدستور والقوانين.

من هؤلاء الخبراء والمتخصصين من عاد إلى تاريخ مصر القديمة يبحث عن خلقيات الوظيفة العامة، حتى عثر على حديث مسجل على لوجة حجرية تركها أحد رؤساء الدواويين الحكومية التابعة للقصر الملكى فى الدولة الوسطى وتحديدًا فى عهد الملك العظيم (سونسرت الأول) فى منطقة أبيدوس(غرب مدينة البلينا بمحافظة سوهاج) فيها أن حسن الإدارة بالنسبة للموظف العام لا بد وأن يكون مرتبطًا  بكرم الأخلاق وشدة الإنضباط وتميز الكفاءة وتحصيل المعرفة وإتقان العمل وحسن المعاملة وطهارة اليد، وعلى الموظف العام أن يكون هادئا ساكنًا ويلتزم بالصمت فى مواجهة من كان حانقًا أحمقًا وشديد الغضب، وهو كذلك الذى يكون لطيفًا  متساهًلا ومتسامحًا مع  الشخص الذى  لا يعرف بواطن الأمور، ومتواضعًا  بعيدًا عن العجرفة والعنجهية.

وفى الختام نؤكد على أنه نظرًا للأهمية الإستراتيجية للدور الذى تقوم به الحكومة الناجحة فى عملية التننمية والإرتباط الوثيق بين السياسات العامة والجهاز الإدارة المنوط به تنفبذها، يصبح موضوع السلوك الأخلاقى والمساءلة عنه من الموضوعات المهمة الجديرة بالبحث والدراسة، خاصة مع  إعتبار الفساد ظاهرة اجتماعية متعددة الوجوه مختلفة الأبعاد والتأكيد على أهمية أن تكون الإدارة العامة موضع  مساءلة بشكل مستمر ليس فقط على المستويات العليا أو بالمعنى السياسى ولكن أيضًا على كافة مستوياتها وفى معنى إجتماعى شامل.

ومن تطبيقات هذا المنهج ذهبت العديد من الحكومات إلى إصدار مدونات للسلوك الأخلاقى تحدد الواجبات والإلتزامات للموظف العام بدقة وتفصيل، كما فعلت وزارة الدولة للتنمية الإدارية فى مصر حين أصدرت فى عام 2015م                 "مدونة السلوك الوظيفى للعاملين بالجهاز الإداري للدولة بجمهورية مصر العربية" ثم جددت الوزارة (وزارة التخطيط والمتابعة والإصلاح الإدارى) هذه المدونة وطورتها تحت مسمى "مدونة سلوك وأخلاقيات الوظيفة العامة 2019-2022م"، وجارى التطوير والتحديث للإصدار الثالث، خصوصًا فى إطار إستراتيجية التنمية المستدامة مصر 30/20

كما أصدرت الوزارة أيضًا كتيبًا إرشاديًا تعريفيًا بعنوان "سلامة النية فى الفارق بين الرشوة والهدية فى الوظيفة العامة" .

وفى هذا السياق لا يمكن أن يفوتنا الإشارة والتنبيه إلى الجهد الكبير الذى تم بالتعاون بين هيئة الرقابة الإدارية واللجنة الوطنية التنسيقية للرقابة من الفساد ومكافحته، والذى تمثل فى إطلاق الإستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد يوم التاسع من شهر ديسمبر عام 2014م فى اليوم العالمى لمكافحة الفساد، تحت رعاية السيد رئيس الجمهورية، بحضور السيد رئيس مجلس الوزراء بصفته رئيسًا للجنة، والجهات المشاركة فى التنفيذ وبعض ممثلى المنظمات الدولية، بمقر هيئة الرقابة الإدارية.

وتعددت مراحل الإستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد بدءًا من 2014-2018م، ثم 2019-2023م، وحاليًا المرحلة الثالثة 2023-2030م، ويتضمن النهج الإستراتيجى لهذه المرحلة الرؤية والأهداف والقيم الحاكمة والمبادىء الأساسية.

فمن حيث الرؤية "بيئة وطنية نزيهة تكافح الفساد" وتتحدد الأهداف فى: جهاز إدارى كفء وفعال يقدم خدمات متميزة للمواطن والمستثمر، وبنية تشريعية وقضائية داعمة لمكافحة الفساد ومحققة للعدالة الناجزة، وجهات قادرة على مكافحته وتعاون دولى وإقليمى فعال فى مكافحة الفساد.

وأخيرًا نجد القيم الحاكمة ممثلة فى : النزاهة، الشفافية، المشاركة، وسيادة القانون، والمساواة، والمساءلة.


   

اشترك في نشرتنا الإخبارية

قم بالتسجيل مجانًا وكن أول من يتم إعلامك بالمنشورات الجديدة.